عبد الباقي مفتاح
92
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
وأوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل . وشوك هذه السدرة كله . لأهل الشقاء وأصولها فيهم والشجرة واحدة ولكن تعطي أصولها النقيض مما تعطي فروعها من كل نوع . فكل ما وصفنا به الفروع حد النقيض في الأصول وهذا كثير الوقوع في علم النبات . وهي على نشأة الإنسان وهي شجرة الطهور فيها مرضاة الحق ومن هنا شرع السدر في غسل الميت للقاء اللّه . وعند السدرة نهر كبير هو نهر القرآن منه تتفجر ثلاثة أنهار أخرى للكتب الثلاثة التوراة والزبور والإنجيل وجداول صحف الأنبياء . ولكل نهر من الأنهار الكبرى الأربعة علم من علوم الوهب مناسب لأنهار الجنان الأربعة أنهار العسل والحليب والخمر والماء . فالمظهر الأعلى الجناني للسدرة هو شجرة طوبى التي غرسها اللّه تعالى بيده ولما سواها نفخ فيها من روحه كآدم وهي لجميع شجر الجنان كآدم لما ظهر منه من البنين وزينها بثمر الحلي والحلل اللذين فيهما زينة للابسهما فنحن أرضها فان اللّه جعل ما على الأرض زينة لها . وأما المظهر الأسفل الجهنمي للسدرة فهو الزقوم تغلي في البطون كغلي الحميم طلعها كأنه رؤوس الشياطين . وأسعد الناس بهذه السدرة أهل بيت المقدس . كما أن أسعد الناس بالمهدي أهل الكوفة ، كما أن أسعد الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل الحرم المكي كما أن أسعد الناس بالحق أهل القرآن . وإذا أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغل من صدورهم ومكتوب على ورقها " سبوح قدوس رب الملائكة والروح " وإلى هذه السدرة تنتهي أعمال بني آدم ولهذا سميت سدرة المنتهى . وللحق فيها تجل خاص عظيم يقيد الناظر ويحير الخاطر وإلى جانبها منصة جبريل عليه السلام وفيها من الآيات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . غشيها من نور اللّه ما غشي فلا يستطيع أحد أن ينعتها إنما ينظر الناظر إليها فيدركه البهت . وأوجد اللّه في هذه السماء البيت المعمور وهو على سمت الكعبة له بابان : مشرقي يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون من مقابله المغربي ولا يعودون فيه أبدا يخلقهم اللّه في كل يوم من نهر الحياة من القطرات التي تقطر من انتفاض جبريل عندما ينغمس فيه في كل يوم غمسة . وبعدد هؤلاء الملائكة في كل يوم تكون خواطر بني آدم : في قلوبهم . وهؤلاء الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور يجتمعون عند خروجهم منه مع الملائكة الذين خلقهم اللّه من خواطر القلوب فإذا اجتمعوا بهم كان ذكرهم الاستغفار إلى يوم القيامة . فالقلوب كلها من هذا البيت خلقت فلا تزال معمورة دائما ، وكل ملك يتكون من الخواطر يكون على صورة ما خطر سواء ( تأمل علاقة ذا الكلام بفص الحكمة القلبية السابق وتتشعب الخواطر من قلب حكمة هذا الفص الفاتحية الصالحية . ) . وفي هذا الفلك عين الموت ( لأن طبعه طبع التراب اليابس البارد وهو طبع